السيد محمد تقي المدرسي
86
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ انَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ) ( البقرة / 165 - 167 ) 3 / وقال الله سبحانه : ( قلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمْ مَن لَّا يَهِدِّي إِلآَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) ( يونس / 35 ) فقه الآيات إلى أي مدى يجوز للانسان أن يتبع غيره ؟ من أجل إستجلاء الأمر ، علينا أن نفقه كلمة العبادة ، التي هي محور قضايا أساسية في بصائر الوحي . بالتأكيد ليست العبادة مجرد السجود والركوع ، وإنما تشمل الطاعة المطلقة والقبول التام . فمن هنا لا يجوز الاسترسال في اتباع الآباء دون تمحيص في آرائهم ، ولا في اتباع القيادات التي لم يأمر الله باتباعهم . إذ الطاعة الشاملة هي لله . أما إذا أشرك البشر أحداً غير الله في ذلك ، إعتبر ذلك اتخاذ الأنداد من دون الله . أولًا : الاحسان نظام الاتباع إذاً كيف ننظم علاقتنا بالناس ممن سبقنا ، أو بمن هو معنا ؟ الجواب : بكلمة ؛ علاقتنا تنظمها كلمة " الاحسان " . فأقرب الناس إلينا هم الوالدان ، الذين أمر الله بالاحسان إليهما . ومع ذلك يجوز لك أن تطيعهما إذا جاهداك لتشرك بالله سبحانه ما ليس لك به علم . وهكذا علاقتنا بمن سبقنا من المؤمنين ، لا تفرض علينا اتباعهم ، وإنما نقول عنهم : ( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَآ إِنَّكَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ ) ( الحشر / 10 ) أما ماذا فعل أولئك ؟ فليس لنا أن نقيس أنفسنا بهم ، إذ إنهم أُمة قد انصرمت ، وإن لها ما كسبت ولنا ما كسبنا . قال الله سبحانه : ( تِلْكَ امَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ( البقرة / 134 ) بلى ؛ ينبغي أن يتبع أبناء الأُمة بعضهم بعضاً ، لأنهم أمة واحدة على امتداد العصور . قال الله سبحانه : ( إِنَّ هَذِهِ امَّتُكُمْ امَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) ( الأنبياء / 92 )